"يا أخي عيب عليك"!

كم مرة في اليوم نستمع إلى موعظة قاسية تنتهي بكلمة "عيب"!
كل شيء تقريباً بات عيباً!
ذات مرة قرر رجل أربعيني أن يبدأ بممارسة الرياضة بجوار منزله بشكل يومي، لبس "الشورت" الذي اشترته وانتقته "أم العيال" وبدأ بالعدو بجوار منزله، كل يوم يجري لمدة نصف ساعة بعد المغرب، أصيب بالصدمة حينما عرف أنه صار حديث الناس فأوقف على الفور ممارسة الرياضة، مستسلماً لعواقب الخمول والكسل، ذلك أن أهل الحي أقبلوا على بعضهم يتهامسون: (فلان انهبل؟ وش فيه يركض مثل الأطفال؟ فلان يطلع أصلع الرأس ويلبس "الترنق" ويركض؟ فلان الظاهر أنه يخاف من الموت على كثر الرياضة!).
قلت: ماذا لو كان "الآي بود" على أذنيه، لكان الموقف أشد بأساً وأسوأ تنكيلاً.
كل ذلك الحديث جرى لأن الناس لديهم يقين مطلق أن ممارسة الأربعيني للرياضة على ذلك الشكل من "العيوب".
المشكلة أن مفردة "عيب" لا تدري ما مضمونها، فهي لا تعني "الحرام" الفقهي، ولا "المخالفة" النظامية القانونية، ولا "العرف" الاجتماعي، الذي يظهر أن العيب عبارة عن "كنه" غير معلوم يجعل من حركة الإنسان في مدينته محدودة، لا بد أن يبقى كالصنم طوال اليوم، يلبس الشماغ والعقال والثوب طوال اليوم وكأنه حديث عهد بعرس!
وإلى وقت قريب – وربما إلى الآن – عدّ الناس خلع الشماغ من قبيل الطيش وقلة العقل وخفة المخ!
قلت: حاولوا أن تعدوا العيوب الغريبة، التي لم ينزل الله بها من سلطان، وإنما نسجها المجتمع عقداً متعددة مترابطة لا تدري كيف تتملص منها، إن ركضت ومارست الرياضة بالحي عابوا ذلك عليك، وإن لعبت مع أطفالك بالحديقة رأوا أن هذا من "خوارم المروءة" وإن ذهبت مع زوجتك للسوق لتشاركها في انتقاء بضاعتها رأوا أن زوجتك قد "ركبتك" وأنك رهن أصبعها!
لهذا قيّد مصطلح "العيب" الغريب حركة الناس، إنه مصطلح شديد "الخطورة" لأن الأطفال يتربون على أن كلمة "عيب" جملة غامضة تعني الانتهاء عن ممارسة الشيء من دون معرفة أسباب الامتناع الحقيقية، وأسهل ما على الإنسان حينما لايعجبه شيء أن يقول وهو متكئ على أريكته "يا أخي عيب عليك"!
لكن هل نلتزم بمصطلح "عيب" في الخفاء؟ أوحينما نسافر للخارج؟ أم أن العيب عفريت غامض يسكن أحياءنا المظلمة؟