عبدالله فراج الشريف

الأزمة الاقتصادية العالمية والأماني

استمعتُُ يوم الجمعة 18/10/1429هـ لخطيب مسجدي وهو يحلل الأزمة العالمية الاقتصادية، وطبعًا ليس لديه الأدوات العلمية التي تمكّنه من هذا التحليل، لعدم تخصّصه في هذا المجال، فانحصر حديثه في ما يعتقد أنه أسباب لهذه الأزمة، وهي كما عبّر التعامل المصرفي، وبالأخص منه ما يخص القروض، والائتمان، والسحب على المكشوف، وفي تهديد ووعيد أنذر بأن الرأسمالية تنهار، وأن الولايات المتحدة الأمريكية، ومعها الدول الصناعية في طريقها للانهيار، كما انهار الاتحاد السوفيتي من قبل، ولم ينسَ قبل أن يختم خطبته أن يذكّرنا بنظرية مؤامرة انتشرت مؤخرًا، ويرى أنها أيضًا وجيهة، وترى أن الأزمة الاقتصادية افتعلها الغرب ليستحوذ على أموال الاستثمارات الخليجية فيه عبر هذه الأزمة، وهذه النظرية يتردد صداها في أدبيات كثيرة من الدعاة والوعّاظ منذ بدء الأزمة، والآمال عند الكثيرين عريضة في أن هذه الأزمة ستؤدي إلى انهيار النظام الرأسمالي وزواله، فالتيارات الإسلامية على تنوّعها تتمنّى ذلك، ومعهم كثيرون في هذا العالم يتمنّونه لما نالهم من السياسة الأمريكية المتعجرفة من فادح الضرر، ومنهم بقايا المؤمنين بالفكر الاشتراكي العلمي، فهم اليوم يطرحون نظريات أشبه ما تكون بنظرية نهاية العالم، ليزعموا أن مذهبهم هو البديل لهذه الرأسمالية التي أثبتت الأزمة فشلها، فقد حكموا على الرأسمالية بالانهيار لمجرد أن مرّت دولها بأزمة اقتصادية مرّت بها من قبل عدّة مرات، فالتقلبات
الاقتصادية من قوانين الحياة التي تتعرّض لآثارها المجتمعات البشرية على مر الأزمان، بين ركود وانتعاش، وانتعاش فركود، سواء أكان نظامها رأسماليًّا أم لا، والرأسمالية من خصائصها اللصيقة بها تعاقب الدورات الاقتصادية والتي تُعرف بأنها تقلبات منتظمة بصورة دورية في مستوى النشاط الاقتصادي، وتشمل هذه التقلبات مستويات الإنتاج والعمالة والأسعار، وقد مرّت الدول وفق النظرية الرأسمالية بالعديد من هذه الدورات، ولا تزال حتّى يومنا هذا تتعرّض لها، ولكنها حتمًا لم تتسبب في سقوطها، ولا أظنها تفعل مستقبلاً، فالنظام الرأسمالي له من الآليات ما يتجاوز به أزماته مهما بلغت حدّتها، وقد تجاوزها مرات عديدة، وهذه الأزمة إحدى هذه الدورات، وسيتغلب عليها، وتبدأ دورة جديدة من الانتعاش، حيث سيتزايد النشاط الاقتصادي في مجموعه ببطء، فينخفض سعر الفائدة، ويتضاءل المخزون السلعي، وتتزايد الطلبات على المنتجين لتعويض ما استنفد من المخزون، وسيلحظ حينئذٍ التوسع الملحوظ في الائتمان المصرفي، ثم يتلو هذا مرحلة رواج تتميّز بارتفاع مطّرد في الأسعار، وتزايد حجم الإنتاج الكلي بمعدلات سريعة، وتزايد حجم الدخل ومستوى التوظيف، ممّا يستدعي أن الطاقة الإنتاجية تستغل بالكامل، فيبدأ ظهور نقص في العمال وفي المواد الخام، ممّا يعرّض الاقتصاد للمرحلة اللاحقة وهي مرحلة الأزمة، إذ تهبط الأسعار، وينتشر ذعر تجاري، وتطلب البنوك من العملاء القروض التي منحتهم إيّاها، فترتفع أسعار الفائدة، وينخفض حجم الإنتاج والدخل، وتتزايد البطالة، كما يتزايد المخزون السلعي، ووفقًا لهذا الوضع ينخفض مستوى التسهيلات المصرفية، ويرتفع مستوى الاحتياطي النقدي لدى البنوك، وهذه المرحلة هي التي إن لم تُعالج بسرعة أسلمت إلى المرحلة الرابعة من الدورة الاقتصادية، وهي مرحلة الكساد الذي قد تتفاوت حدّته، وهم المرحلة التي تتسم بانخفاض الأسعار، وانتشار البطالة، وكساد التجارة، وتراجع كل ألوان النشاط الاقتصادي، ولعلّ هذه هي المرحلة المقبلة الآن، وطبعًا أضرارها بالغة، ولكنها حتمًا لا تستمر، فلا بد أن يعقبها دورة انتعاش، وهذا ما حفظته لنا السجلات للعديد من الدورات التي مر بها الاقتصاد الرأسمالي عبر السنين، وبقيت الرأسمالية، لهذا فإن الحديث عن انهيارٍ للرأسمالية، أو الدول التي تتبنّاها نظامًا اقتصاديًّا لا يخرج عن كونه أماني، لا أظنّها ستتحقق في زمن قريب، لا لأني أؤمن بالنظرية الاقتصادية للرأسمالية، فلعلّي عاطفيًّا لستُ معها، خاصة عندما تتوحش عبر الشركات العابرة للقارات، فتزيد الفقراء فقرًا، ولكنها حتى الآن هي النظرية الوحيدة الواقعية والتي تعمل من خلال أسس وآليات خضعت للتجربة على فترة طويلة من الزمن، جرى فيها تطبيقها، والنظريات الأخرى حتى اليوم لم تثبت نجاحها عند التطبيق، وانهيار الانظمة الاشتراكية دليل واضح على هذا الفشل، كما أن محاولة إيجاد نظرية ثالثة تؤخذ من النظامين ما تظنه إيجابيات لهما، كما حاول بعض مفكرينا المسلمين في اسميناه نظامًا اقتصاديًّا إسلاميًّا ولم يطبق حتى اليوم، ولكنه حتمًا لن ينجح، لأن الاقتصاد المختلط الذي جربته دولنا القومية، أو الوطنية فشل هو الآخر، ولا تزال نظريتنا للاقتصاد الإسلامي لم تكتمل بعد، وتطبيقاتها الجزئية والتي انحصرت في المصارف الإسلامية وشركاتها لم تثبت نجاحًا ملحوظًا حتى اليوم، بل لعلّ كثيرًا من الأخطاء الفادحة تعتريها، فالحديث عن أن النظام الاقتصادي الإسلامي هو البديل حديث أمانٍ، حتمًا لن يتحقق قريبًا، فلا تزال دراساتنا الاقتصادية الإسلامية تتعثر، والمنظرون لها حتّى اليوم إمّا فقيه يجهل عن الاقتصاد كل شيء، وإمّا اقتصاديّ لم يتضلّع بعد في علوم الشريعة، فتأتي الاجتهادات منقوصة، وللاقتصاد آليات تقنية محايدة لم يدرسها هؤلاء بعد، حتى يمكننا أن نوجد نظرية ومذهبًا اقتصاديًّا منافسًا، ولا أقول بديلاً للنظام الرأسمالي، الذي هو السائد في عالمنا اليوم، ولن تهدمه الأماني فقط، فهل نحن ندرك هذا؟ هو ما أرجوه. والله ولي التوفيق.





عبدالله فراج الشريف

المتسلّقون النفّعيون

حينما كان العلم لا تثبته الشهادات ولا الدرجات العلمية، كان لتلقيه في عصورنا الإسلامية التي سلفت منهجًا، يعمل من خلاله مَن تلقى العلم على أصوله، ومَن هم يدّعون تلقيه وهم لم يعرفوا منه سوى قشوره، فقد كانت حلقات الدرس في المساجد والجوامع، يلقى فيها مَن عرف عنه العلم والتقوى على طلاب العلم دروسًا، فإذا أحسّ أن أحدًا منهم أخذ ما عنده من العلم أعطاه ما يثبت ذلك،
وسمّى ذلك إجازة، لذلك كان مَن حصل من العلم الشرعي مبتغاه ذكر مشايخه الذين تلقى العلم عنهم في ثبت له أو فهرس، معدّدًا مَن أجازه من هؤلاء، ومضت العصور والعلماء يذكر في تراجمهم من أخذوا عنه العلم ومَن تلقاه عنهم من التلاميذ، بصدق وأمانة، ولذلك دلائل واضحة، وفي بلادنا منذ حظرت حلقات الدرس المتنوعة في ساحات الحرمين الشريفين وأروقته قلّ أن يذكر أحد من علماء البلاد ممّن اشتهروا عن من أخذ العلم، ولا يعطوا أحدًا ممّن يزعم أنه أخذ العلم عنهم اجازة مكتوبة أو مشهودة، وكثير منهم لا يتعرف على من يكتبون في تراجمهم ادّعاء أنهم تلقوا العلم عنهم، أو حضروا دروسهم، وليس كل من حضر درس وعظ يعتبر للواعظ تلميذًا، ولكنا أصبحنا اليوم نقرأ لكثيرين ممّن يدّعون العلم أنهم أخذوا العلم عن فلان وفلان، ولو ذكرت أسماءهم لمن يدعون أنهم
أخذوا العلم عنه لما تعرفوا على أحد منهم، وأمّا الزعم عن الأخذ عن الذين توفوا من العلماء فهو كثير لا حصر له، لأن المنطقة حينئذٍ آمنة، فلا يمكن عرض ذلك على من توفى، ولو بعث هؤلاء من قبورهم لما اعترفوا للادعياء بأي صلة بهم، وقد وفد إلى بلادنا في فترات سابقة من أبناء بلداننا العربية والمسلمة الكثيرون، والعجيب أن لبعضهم حرفًا ينسبون إليها ورثورها عن آبائهم، وبعضهم تعلمها في مدارسنا الحديثة في بلاده أو بلادنا، فهذا ساعاتي أبًا عن جد، لم يشهر عنه أخذ العلم عن معين من العلماء المشهود لهم التقدم في فنهم، فإذا به يزعم أنه المحدّث الحافظ، لمجرد قراءته في كتب الحديث والرجال، وحفظ له ما كتب تناقضات صارخة، وهذا خريج معهد صناعي فني في الكهرباء أصبح داعية وأديبًا ولم يتلقَ العلم عن أحد، وهذا آخر يزعم أن له شهادة في الإدارة الصناعية غير معروفة المصدر، أصبح يمارس الإمامة والتدريس في مسجده، وله أتباع ينافحون عنه، ولم يأخذ العلم عن أحد، ولم يلتحق بكلياته أو معاهده، وكثير منهم قد يكون قد حصل على شهادة في غير العلوم الشرعية، ثم ادّعى العلم بها، وما رئي قط في حلقة
درس، وقليل منهم مَن حصل شهادة في العلوم الشرعية من كليات في بلدانهم، كان المنتسبون إلى العلم في بلادنا يقدحون فيها، ويرون أنها كما كانوا يرددون ليست على منهج قويم، ولكن هؤلاء وللأسف وجدوا عندنا بيئة دينية خصبة، كل من ادّعى العلم والتدين فيها نال حظوة، فرأينا هؤلاء الوافدين يتولّون الدعوة والإرشاد والإمامة في المساجد، بل لعلّ بعضهم رأس إدارات دينية مهمة في السابق، بل إن بعضًا منهم رشح للتدريس في الكليات الشرعية، وليسوا أهلاً للتدريس فيها، واستطاعوا أن يبثوا من أفكارهم وبعضها خطير ما اعتنقه تلاميذ لهم لا يزالون ينشرون ما أخذوا عنهم حتى يومنا هذا، ولا يزال مجتمعنا الطيب يعاني من أثر تلك الأفكار وما صنعته من انحراف في مراهقينا، بما نقلوا إليهم من أفكار منحرفة، وبما أثاروا من معاني الفرقة بيننا، وبعضهم عاد إلى بلاده ينشر الفرقة بين أهلها، مدّعيًا أن ما يحمله من أفكار تبث الفرقة تلقاه عن علماء من بلادنا يذكر اسماءهم في
ترجمته كلّما ادّعى العلم، وها نحن اليوم نرى بيننا من ينتصر لهؤلاء ويدافع عنهم، وعن أخطائهم الفادحة بسذاجة لا يُحسد عليها، وهم سادرون في غيّهم والإساءة إلينا، ولو أننا طالبنا هؤلاء وتلاميذهم أن يثبتوا أنهم تلقوا العلم الشرعي على يد عالم وأجازهم فيه إجازة مشهودًا لهم فيها، لاكتشفنا أن كثيرًا منهم يدّعي ما لم له يكن حاصلاً في يوم من الأيام، ولا أدري ما حاجتنا إلى هؤلاء، أهو لنقص في العلماء والدعاة من أهل هذه البلاد، وهم بحمد الله اليوم كثر، بل لعلّهم يزيدون عن حاجة البلاد لمثلهم، بعد أن تضخم عدد مَن يتخرجون من الكليات الشرعية في جامعاتنا، ولا يجدون من الأعمال ما يستوعبهم، فينصرفون إلى الوعظ والدعوة عبر منابر مختلفة، منها القنوات الفضائية، التي يهاجمها مشايخهم وأساتذتهم، بل إن بعضهم كان أشد الناس هجومًا عليها، فلمّا أتيحت له الفرصة أن يظهر على شاشاتها، ونال من أموالها شيئًا أصبح من المتعاملين معها بكثير من التسامح، إن لم يكن مدافعًا عنها بحماس، ولسنا نريد بهذا القول الإساءة إلى أحد، ولكنا نريد أن يعلم الناس الحقائق مجردة، ولهم بعد ذلك الحرية في البحث عن موطن الخلل، فهل يفعلون؟ هو ما نرجوه والله ولي التوفيق.





عبدالله فراج الشريف

هل يمكن للزمان أن يعود للوراء


أظن أن إجابة هذا السؤال الذي ظهر في عنوان هذا المقال سهل جدًا، فالزمن لا يعود للوراء. واليوم الذي مضى لا يمكن استعادته مرة ثانية أبدًا، والذين لا يزالون في مجتمعنا يعيشون الوهم أنهم قادرون على أن يعيدونا إلى الوراء، ويفرضون ما كان سائدًا في زمن مضى وانقضى، يغالطون أنفسهم، لأنهم يعلمون عن يقين أن هذا لن يكون، لأنه المستحيل فعلاً، فما كان من قبل سائدًا من فرض رأي واحد على الساحة، وإنكار أن في هذا الوطن الغالي تنوعًا فكريًّا، كما أن فيه تنوّعًا مذهبيًّا، لا يمكن اليوم استعادته مرة ثانية لإقصاء مَن تختلف معهم مهما أوتيت من قوة أو سلطان، فقد اقتنع اليوم الغالبية من أبناء هذا الوطن، وأيدتهم قيادتهم أن الاختلاف سنّة كونية لا يمكن إنكارها، وأن المختلفين لا يلغي ولن يلغي أحدهما الآخر، فكلهم لهم الحق في أن يعبّروا بحرية تامة عن ما يعتقدون، وأن يتحاوروا حوله، ومن الحوار ينبثق النور، الذي يهدي بإذن الله إلى الحق والحقيقة، وإذا كان اليوم لدينا تيار لا يمكن إنكار قوته، وعلو صوته، وقدرته على التنسيق بين رموزه التي يصنع لها الأتباع نجومية عبر كل الوسائل الممكنة، وبين هؤلاء الأتباع الذين يبذلون كل الجهد الممكن في الدفاع عن هذه الرموز، ولو ارتكبت كل الأخطاء، فيهاجمون بحدّة غير معهودة عند مَن ألزم نفسه بآداب الحوار المنبثقة من قواعد هذا الدِّين الحنيف ومقاصده، كل من يستعمل حقه المشروع في حرية التعبير المكفولة للجميع في هذه البلاد، والمنصوص عليها في نظمه بدءًا من النظام الأساسي للحكم، فينتقد كل خطأ يقع ويراه مضرًا بهذا المجتمع، وقبل ذلك مضرًا بالدِّين الحنيف الذي نعتنق، فليس معنى هذا أن هذا التيار يمكنه صنع المستحيل، وإعادة مجتمعنا إلى الوراء، وإلغاء كل مكاسبه الحضارية، التي صنعها مواطنوه وقادته الأوفياء، فما اكتسبه الفكر في بلادنا من مساحة حرية مناسبة لن تلغيها مواقف هذا التيار مهما ظن أصحابه أنهم الأقوى، بمجرد زعمهم أنهم مَن ينصرون الدِّين، أو يدافعون عنه، وأن غيرهم هم أعداء له يريدون إقصاءه عن الحياة كما يزعمون، أو لأنهم يستبيحون كل محرم في سبيل إبقاء الناس تحت سيطرة ما يبثون من أفكار، فيقعون في الأعراض، وهم ينادون بأن لحوم رموزهم مسمومة، وكأن الله عز وجل إنّما شرع العقوبة وقاية لأعراضهم دون سواهم من البشر، فأعراضهم التي يجب أن تُحمى، أمّا أعراض غيرهم فهي لهم مستباحة، فإن ذلك لن يعيدنا كرّة أخرى لساحة يتسيدها رأي واحد، ومنهج مفروض على الناس، وإن لم يرغبوا فيه، فحرية الرأي في هذا الوطن ستبقى مصانة بإذن الله ولو كره هؤلاء، ولو سعوا بكل ما أوتوا من قوة لإلغائها فلن يستطيعوا. والميدان فسيح تتلاقح فيه الأفكار، وقد تتصارع حينًا، ولن يبقى منها إلاَّ ما كان أفضل يخدم الحياة ويؤسس لمستقبل يحظى فيه كل فرد من أبناء هذا الوطن بكل حقوقه المشروعة، ومنها حقه في الاعتراض على كل فكرة خاطئة ونقدها علنًا، ما دام معلن عنها، ويرى أنها تضر بالدِّين والدُّنيا، وضررها العظيم يقع على الأمة، وأن يعلن انتقاده لها بكل الصراحة الممكنة، حتّى وإن ارتفع صوت هؤلاء واحتدت عباراتهم في مواجهته، فالناس يدركون ببساطة متناهية، أن مَن يسوء أسلوبه في الحوار، ويلجأ إلى الأساليب الرديئة فينتقص مَن يختلف معه، ويتّهمه بما لا يليق، إنّما يعبّر أسلوبه هذا عن عجزه في الدفاع عن أفكاره الخاطئة. لأن تلك الأساليب الرديئة لا يلجأ إليها مَن يمتلك صوابًا، يمكن الدفاع عنه، وكلّما كان نقد الأفكار الخاطئة جيدًا وصوابًا ، وله براهينه المقنعة رأيت الردود عليه تنحرف عن مناقشة الأفكار إلى شخصنة الموضوع والادّعاء الساذج بأن مَن انتقد أكثر علمًا وتقوى، واعتبار نقد أفكاره مهاجمة له وتطاولاً عليه، كما تنطلق المزاعم دائمًا، وأصبحت اليوم ديدن المدافعين عن كل مَن وقع في خطأ، بل واستمرأها أيضًا، وذلك أن العاجز عن إثبات صحة ما يدّعيه، لا يستطيع إدراك الحقيقة الناصعة التي يراها كل مَن يعيش ظروف عصره، إن أساليب الماضي لم تعدْ قادرة على أن تقف في وجه التطور المستحق، والذي انطلق في بلادنا نحو المستقبل الذي يتوقعه الجميع، والذي يحميه الاعتراف بالحقوق الإنسانية المشروعة للأفراد، وأوّلها، بل أهمها حقهم في التعبير بحرّية عن أفكارهم، ذلك أن الإصلاح في ظل تكميم الأفواه، وكسر الأقلام لا يتحقق، فحرّية التعبير دون وجل هي الوسيلة المُثلى لإصلاح كل خطأ يقع، ويدرأ كل خطيئة يمكن للناس أن يرتكبوها في ظل غيابها، فهلّا كف هؤلاء عن أساليبهم الرديئة، وحرصوا أن يكونوا صادقين في دعواهم نصره الدِّين، فينتقدوا الأفكار بعلم تثبته البراهين، لا مجرد تُهم تُلقى على عواهنها لا يدعمها دليل، ويثبت مع مضي الوقت أنها تزيدهم في نظر الناس بُعدًا عن الحق والحقيقة، وتسيء إليهم قبل أن تسيء إلى مَن يوجهون إليهم سهام تهمهم الباطلة، ذاك ما نرجو أن يكفوا عنه. والله ولي التوفيق،





عبدالله فراج الشريف

وهم التطاول على العلماء

زمن العجائب هذا تطل علينا فيه فتاوى شاذة بفسق وكفر وإلحاد وعقوبات تبلغ القتل وتنهمر في ساحتنا كالمطر، همّ أصحابها البحث عن من يستحق العقوبة في نظرهم، ومن ينسبون إليه ما لم يفعله، بل لعلّه لم يفكر فيه أصلاً، لأن في رؤوس مطلقيها صورًا مموّهة يرسمها لهم الأتباع عبر أسئلة تستجدي منهم إجابات محددة معدة سلفًا، أو هم راغبون في مهاجمة مَن تصوّروا انهم أعداء لهم مثل كُتَّاب الصحف والعاملين فيها والإعلاميين بصفة عامة في المقروء والمرئي والمسموع من وسائل الإعلام، فبحثوا عن من يلقى سؤالاً عليهم ليشرعوا في أن ينسبوا إلى هؤلاء الكثير ممّا لا يوجد له صورة في الخارج من التطاول على العلماء، أو انتقاصهم، أو اتهامهم بشتى التهم، فذاك الذي أراد أن يحكم على بعض هؤلاء بالإلحاد والكفر بحث عن مَن موه له صورًا ليس لها في واقع بلادنا وجود، فزعم أن فيها ليبراليين أعداء للدين يرتكبون في حقه كل الجرائم، وصاغ له من العبارات ما تجعل فتواه بتكفير هؤلاء، من الذين أضمر في نفسه إيذاءهم من مثقفي الوطن ورموزه، لسوء ظنه فيهم، ولأنه يظنهم له أعداء، مقبولة عند العامة، أمّا الخاصة فيدركون أن الصور المموهة التي يعتمد عليها مثله لا أصل لها في واقع هذه البلاد الذين يرعى المخلصون من أبنائها وحدتهم الوطنية، واليوم يوجه أحدهم سؤالاً إلى آخر من مفتي العصر يقول: (الملاحظ لما يجرى مؤخرًا في الشهور الأخيرة، يجد ان هناك هجمة من الأقلام الصحفية، والقنوات الفضائية على عديد من العلماء في المملكة العربية السعودية، يحاولون الحديث عن عالِم من العلماء بين فترة وأخرى وإسقاطه، ونقل حديثه، وانتقاصه وغير ذلك، في أمور أصبحت واضحة للجميع، يقصد بها هؤلاء العلماء الفضلاء في هذه البلاد)، ولست مسؤولا عن ركاكة ألفاظ ما بين المعكوفتين، واختلال معانيها، فهما السؤال الذي طرح عليه عبر قناة دينية خاصة، تشتهر بإثارة أسئلة كهذه دومًا، وهذا الذي تتردده من الاوهام، بأن هناك هجمة تطاول على العلماء إنما تعني أن الصحافة قد تناولت فتوى لأحد من الناس جانبه فيها الصواب، أو لنقل إنها تتناول فتاوى شاذة لا يمتلك مَن أطلقها عليها دليلاً، وهذا لا يمثل هجمة أو تطاولاً على العلماء، وإذا تحدثت وسائل الإعلام عن مَن طرح رأيًا ينسبه للدين وفيه الإضرار بالدِّين والدُّنيا، خاصة إذا تكررت منه الأخطاء وشذّ في ما يطرحه عبر تلك الوسائل، فلا يعني هذا أنها تتقصده من أجل إسقاطه، كما زعم السائل، وأمّا نقل حديث مَن يطرح رأيًا أو اجتهادًا ولو كان محض خطأ وبثه عبر وسائل الإعلام فهو أمر من صلب وظيفة الإعلام إذاعة وتلفازًا وصحفًا ومجلات، ومثل من اطلق السؤال ومَن أجابه إذا أعرض الإعلام عن نقل ما يقولون قالوا إنه يقصيهم، أمّا حكاية الانتقاص المزعوم فهي عند مثل هؤلاء تعني ألا يعترض أحد على كل ما يطرح من رأي واجتهاد عنَّ لصاحبه، ولو كان محض خطأ، وهذا حتمًا ليس انتقاصًا، بل هو ما رسمه السلف من علماء الأمة عبر العصور طريقًا جليًّا، فلا أحد في أمر الدِّين معصوم إلا مَن بعثه ربي هاديًا بشيرًا ونذيرًا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وما عداه من أهل العلم يؤخذ من قوله ويترك إذا اجتهد، وما من أحد من العلماء إلا راد ومردود عليه، فلا انتقاص في هذا الباب إلاَّ أن يزعم للعالم عصمة وقداسة ليست له، وتصوّر أن بيان خطأ عالِم انتقاص له لم يقل به أحد قبل هذا الزمان الذي ظهر فيه أناس شذوا بأفكارهم، فنسبوا العصمة لبعض مَن يفتون، وكادوا ان يقدسوهم بحصر الدّين في ما يقولون ويعلنون، اجتهادًا منهم في مسائل لا نص فيها، بل العمدة فيها الرأي والاجتهاد، وهو الكثير ممّا تطلق فيه الفتاوى اليوم، وهو أمر لم يعد السكوت عليه من كل منتسب للعلم مقبولاً، ومع هذا فقد أجاب المسؤول بتحريض جلّي وواضح على الصحف ومَن يعملون فيها أو يكتبون، وعلى جل القنوات الفضائية فقال: (هؤلاء الذين يهاجمون العلماء وبالأخص مشاهير المشايخ، الذين اعترف بفضلهم وعرفت مكانتهم، وعرف قدرهم، وصاروا ينشرون العلم وينشرون الفتوى في نور على الدرب أو سؤالك على الهاتف، أو من هذه القناة وغيرها، أو ينشرون التعليم ونحو ذلك، واعترف بفضلهم ولم ينتقد عليهم شيء من زملائهم أو مشايخهم فإن ذلك دليل على فضلهم)، والعبارات هذه مرة أخرى له ولم أتدخل في صياغة شيء منها، وفيها تزكية واحد لمجموع ينتمي إليه، والفضل المعروف بنى في فعله يعرف على المجهول، حتى لا يطالب بإيضاح مَن يتحدث عنه، ثم أوضح تحريضه بأن ذكر أن نقدَ أحدٍ من هؤلاء الذين أشار اليهم هو من باب الحسد لهم، والعيب فيهم وثلبهم وانتقاصهم، والحقيقة ألا شيء من ذلك تقوم به الصحافة، أو وسائل الإعلام الأخرى، أمّا نشر اعتراض علمي على فتوى جانبها الصواب، فهو حق لكل مَن له علم في المسألة، وكما تنشر النقد تنشر الرد عليه، ولم يكتفِ وفقه الله للصواب بهذا، بل رمى المنتقدين بأنهم إنما ينتقدون دفاعًا عن فسقة يفعلون أفعالاً كبيرة، ينبه عليها العلماء، ويفتون انها حرام، وان الذين يفعلونها يستحقون التأديب بكذا وكذا، وليته ذكر لنا ما يعنيه بكذا وكذا، فمَن يفتى بقتل وكفر وإلحاد لمن يرى أنه ارتكب أفعالاً كبيرة في نظره لا يعين على الحق، وإنما ينشر الفوضى، إننا لنرجو أن يراجع هؤلاء ما يطلقون من أحكام يتجنون بها على الخلق، وما يحرضون به عليهم دون وجه حق، فهذا هو الحق الذي يرجى أن يفعلوه، ولعلّهم له فاعلون، فهو ما نرجو.. والله ولي التوفيق.