هذه المقابلة تأخرت كثيرا فقد كان من المقرر لها أن تنشر مع بداية شهر رمضان المبارك ولكن ظروف مرض والدة الكاتبة ودخولها المستشفى وإجراء عملية لها وانشغال الكاتبة معها أدى إلى عدم اكتمال اللقاء وتأخير وصول الصور المصاحية له وهي صور والدها أحمد يحيى القايد وبعض الأوسمة والشهادات ونحن إذ نعتذر عن هذا التأخير غير المقصود فإننا نبتهل إلى الله عز وجل ألا يري والدتها مكروها وأن يكتب لها الشفاء والسلامة . وأن يطمئننا عليها أما الصور فسوف نضيفها حين وصولها إن شاء الله .. وأترككم الآن مع اللقاء
أبو رامي
إنه الوطن ....... كيف لانحبه
حين طُلب مني أن اكتب عن الوطن ، تمثل أمام ناظري فارسٌا ممتطيًا صهوة جواده ، يحمل بإحدى يديه سيفًا وبالأخرى علمًا ، وفي الجهة المقابلة تقف حسناء تناثرت خصلات شعرها على أكتاف مرفوعة تنظر إليه بعينين نجلاويين .. التقيا ثم انطلقا ينظران إلى البعيد البعيد .
أتعرفون من هو ؟ أتعرفون من هي ؟
** إنه الوطن .. إنها المملكة العربية السعودية **
تناغم عجيب بين الاسم والمسمى يجعلنا نتساءل في حيرة . أخُلقت له ، أم خُلق لها ؟
هذا هو وطني بكل مافيه اسمًا ومسمى
هذا هو وطني الذي حين بدأ كفاح أبنائه قالواعنه ..( وطني الحبيب ...).
وعند قطف ثمار ذلك الكفاح تغنوا ( يابلادي واصلي)
وعند ارتقائه وسموه بين الأوطان تفاخرنا ورددنا ( فوق هام السحب وان كنتي ثرى )
هذا هو وطني ..حبات رمله عقيق ، ونسيمه خيوط من حرير نسجت مع هذه المساحة الشاسعة قماشة رائعة من أجواء عطرية مختلطة ( صحراوية ، جبلية ، ساحلية)
من قال أننا بعد ذلك كله لانحبه ؟ من قال أننا بعد ذلك كله لسنا أبناء بارين به ؟
كيف لاوبه أطهر البقاع ( مكة المقدسة ، وطيبة الطيبة ).
كيف لا وعلى أرضه نزلت أسمى الرسالات السماوية
كيف لا ونحن نعيش تحت سمائه شعبًا دينه واحد .
كيف لا ونحن نعيش على أرض لم يدنس ترابها بالحروب أو الكوارث .
كيف لا . ثم كيف لا .. ونحن له وبه نباهي .
بعد ذلك كله ألا تستحق أن تكون هذه الأرض وطني وملاذي ، ثم ألا يستحق هذا الوطن أن يكون مسماه المملكة العربية السعودية؟




هذه هي فاطمة أحمد البكيلي كاتبة سعودية هاجسها الوطن وتفكيرها في الوطن وكتاباتها للوطن .. كلماتها تلامس الهموم وتشخص الأوجاع وتخرج من القلب فتدخل القلب .. أشربت حب الوطن منذ الطفولة في بيت قائدعسكري أحب الوطن ودافع عنه وعاش من أجله وأكملت المسيرة أم فاضلة غذت المشاعر ونمت الأحاسيس

والدها أحمد يحيى البكيلي أعرفه تمام المعرفة فقد كان جارا لنا وحينما أتذكره الآن بقوامه الممشوق وسحنته العسكرية والشمسية التي لا تكاد تفارق يده أتذكر قول حسان بن ثابت رضي الله عنه:

بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول

ولا يكاد يعرف في ينبع إلا بلقب القايد الذي اتخذته مدخلا للحديث مع
( بنت القائد ) الكاتبة السعودية الأستاذة فاطمة البكيلي

كيف اكتسب والدك رحمه الله لقب القايد ؟

والدي قائد عسكري خدم في أبها وفي معان وفي الوجه وضبا ثم استقر به المقام في ينبع واتخذها سكنا بعد أن تقاعد من الخدمة العسكرية .




القائد : أحمد يحي البكيلي


إذن أنت ينبعية ؟
أنا ينبعية المولد . طائفية النشأة .. جداوية المستقر

حدثينا عن هذه الجوانب في حياتك .
ولدت في مدينة ينبع البحر في حي يسمى القف .. ومكثت فيها حتى بلغت السنة السابعة من عمري ثم أن والدي رحمه الله عانى من مرض أجبرنا على الانتقال به إلى مدينة الطائف لعلاجه ولم يلبث أن توفي فيها أثر هبوط حاد في القلب
ولم يكن يدور في خلد والدتي التي كانت تحب ينبع حبا جما أو خلدي أن هذه السفرة ستكون آخر العهد بينبع حيث أصر خالي على أن نقيم في الطائف فلم يعد هناك ما يربطنا في ينبع

وماذا بقي في ذهن ابنة السابعة من ذكريات عن ينبع ؟
ما زلت أذكر بيتنا والأرض التي بجوار بيتنا ، والبئر الذي حفره والدي فيها وما زلت أذكر عن هذه الحبيبة ينبع ـ البحر بشاطئه الذهبي وأشجاره الشامخة،التي افتقدت وجودها عند زيارتي لها عام 1419هـ

ومن تذكرين من البشر ؟
لم يكن مجلس والدي يخلومن الزائرين سواء كانوا جيران أو زملاء عمل أو محتاجين لمعونات أو مسؤولين وقادة عسكريين
وكنت دائمًا حاضره مجالسه و مستمعة جيدة أو فوق العادة و لذلك اكتسبت مهارة التحارور وتحليل الأمور والنظرة الثاقبة ، حيث كنت تلك الطفلة الصغيرة السعيدة التي تنعم بكافة وسائل الترفيه الممكنة في ذلك الوقت.
كما يتميز منزلنا انه كان مقر اجتماع نساء الحي وأحيانا الأحياء المجاورة ،وكانت اجتماعاتهن لاتخلو من ترديد بعض الأهازيج الينبعاوية
أذكر من الرجال العم دخيل الله الزويرعي رحمه الله والعم سفر القثامي والعم محمد علي المويلحي والسقاء الذي كان يحضر لنا الماء ..أما من النساء فأذكر كثيرا من الأسماء
هذه المرحلة الأولى أعتبرها أسعد مراحل حياتي بوجود الأب والأم ولكنها سعادة مؤقتة للأسف

وماذا عن المرحلة الثانية ؟
المرحلة الثانية ارتبطت بحدثين مريرين بوفاة الوالد وبالغربة حيث عشنا في بيت خالي في الطائف ثم انتقلنا أنا ووالدتي إلى منزل منفصل وهنا ظهر الدور التربوي للوالدة هذه المرأة العظيمة التي لا يمكن أن أنسى أفضالها فقد حرصت على أن التحق بالمدرسة أسوة ببنات الحي الذي كنا نسكن فيه
وقد كانت ترافقني إلى المدرسة في ذهابي وعودتي في جميع مراحل دراستي الابتدائية والمتوسطة والثانوية ،
كان موسم الصيف يمثل لوالدتي الأزمة الكبرى حيث كان هناك الكثيرمن وقت ا لفراغ ، وكانت حريصة بإشغاله بشتى الطرق
فقد كانت منذ بداية العام تأخذني معها مشيا إلى مكتبة البرعي في سوق البلد- برحة القزاز - ، فتتفق معه على أن يجمع لها القديم من كل ماهو مقروء من المجلات والقصص والكتب التي لم تباع فتشتريها منه بمبلغ زهيد ثم تقوم بعد ذلك بتوزيعها على عدد أيام العطلة الصيفية
وتطلب مني بعد ذلك قراءتها عليها ،ثم تحاورني ببساطة عما قرأته – من أين اتتها هذه الحنكة وهذا التفكير- وكنت اعتقد في ذلك الوقت أن والدتي تقرأ وتكتب ولكني اكتشفت وأنا في الصف الثاني المتوسط أنها لاتعرف الألف من كوز الذرة على قول إخواننا المصريين
وكان من أهم هواياتها تسجيل الأخبار وبرامج الأسرة على كاسيت ثم إعادتها على مسامعي عند عودتي من المدرسة
وكانت صارمة في تربيتي ، حيث عودتني على تحمل المسؤولية منذ نعومة اظفاري وأنني يجب أن أسعى لتكوين مستقبلي حتى لو بالحرب
لذلك كنت حريصة على أن تكون دراستي هي هدفي الذي أحقق من خلالها ما تصبو إليه والدتي خاصة وأنها كانت تذكرني دوما وأبدا أنها لن تدوم لي ، فكان هذا يشكل هاجسا آخرمريعا بالنسبة لي .
والحمد لله أن هذا الغراس قد أثمر عن حصولي على بكالوريوس اللغة العربية و العمل في الميدان التعليمي ثم انتقلنا إلى جدة وأنا الآن مشرفة تربوية ولوالدتي الفضل الكبير فيما أنا عليه الآن

وكيف بدأت رحلتك مع الصحافة ؟
بدأت ببعض المشاركات في جريدة عكاظ ثم انتقلت إلى جريدة المدينة التى تبنتني واحتوتني واستطعت من خلالها ان أخرج مافي جعبتي من حصاد الغراس

ماسر هذا التوجه الوطني في مقالاتك ؟
والدتي كانت هي المحفزالوطني الأول في حبي لهذه الأرض بفطرتها وفكرها البسيط، اما المحفزالوطني الثاني للكتابة عن وطني فقد ولد عندي المقارنة والرؤية المتعمقة ، لحقائق الأمور بين واقعنا الأمن وواقعهم المؤلم ..من خلال الأحداث الواقعة على أرض العراق ،والفوضى القاتلة في الحكومة اللبنانية فأنا أرفض أن تكون بلادي ميدان قتال أو تستباح حتى باللفظ كذلك الهجمة الإعلامية سواء بالتصريح أو التلميح من بعض القنوات،الفضائية ، أومن بعض المذيعات السعوديات للأسف اللاتي قمن بالعمل في بعض القنوات الفضائية التي تديرهها مؤسسات إعلامية معادية لنا بالإضافة إلى أنهم جعلوا المرأة السعودية مادة إعلامهم وكأن تحررها هو الذي سيعيد توازن القوى الأخرى
فلم أجد لي وسيلة للرد عليهم سوى قلمي من خلال جريدة المدينة فكانت المقالات التالية
اوراق مكشوفة
الأمير نايف بصيرة ثاقبة
قادتي لاأرضى بغيركم بديلا
ياوطن مالنا وماعلينا
تصحيح الأوضاع.. مسؤولية مواطنة
الرحلتان يوليو 56ومايو2008،
والفضل في ذلك بلا أدنى شك لوالدتي التي غرست في نفسي أن أحب وطني كما أحب أبنائي وأن أحب لغيري كما أحب لنفسي .

لديك أبناء ؟
نعم لدي أحمد ومحمد وهما أروع حدث في حياتي

نسأل الله أن يحفظهما ويبارك فيهما ويرزقك برهما .. ولكن هل انقطعتك صلتك بينبع ؟
لا لم تنقطع حيث زرتها في العام 1419هـ ومكثت فيها أسبوعين زرت فيهما مواطن الذكريات وكانت أيامهما من أجمل الأيام

حدثينا عن منتدى المجالس الينبعاوية وكيف تعرفت عليه ؟
في الآونة الأخيرة أصبحت الوالدة متعلقة بينبع بشكل كبير تروي لي بعض الأحداث وتسألني عن بعض الأشياء وأحببت أن أقدم لها بعض المعلومات فلجأت إلى محركات البحث أبحث عن مواقع خاصة بينبع واطلعت على معظمها ومن بينها موقعكم الذي تعبت في محاولة التسجيل فيه دون جدوى إلى أن لفت نظري وجود رقم هاتف الأستاذ عواد الصبحي وسرعان مااتصلت به وعرفته بنفسي فاستقبلني بترحاب بالغ وأتم لي عملية التسجيل بيسر جزاه الله خيرا .. ثم بعد ذلك كتبت استفسارا عن أحمد القائد في موقع تراث وسياحة التابع لكم فوصلتني رسالة منك فيها بعض التفاصيل التي أسعدتني كثيرا وأسعدت الوالدة عندما أخبرتها بها

وما رأيك في منتدى المجالس الينبعاوية ؟
من أروع المواقع التي مرت علي يتسم برصانة الكلمة ومصداقية الطرح ولدى أعضائه حس وطني عال مستمد من توجه القائمين عليه والفكر الذي يحملونه وقد أشرت إلى ذلك في إحدى مقالاتي

قرأنا ذلك ونشكرك عليه كثيرا .. و نعتبر انضمامك إلى المجالس الينبعاوية مكسبا كبيرا



وبعد فهذه هي الكاتبة السعودية فاطمة البكيلي التي استطاعت المجالس الينبعاوية أن تكسبها قلما رائدا وفكرا راقيا وإطلالة ثقافية مميزة نفخر بشهادتها كفخرنا واعتزازنا بشهادة من سبقوها إلينا في لقاءات وحوارات مميزة من الشخصيات والقيادات البارزة أمثال فضيلة الشيخ الدكتور سعد البريك والشيخ عبد الرحيم الزلباني مدير تعليم ينبع السابق وفضيلة الشيخ محمد الحميدي القاضي في محكمة التمييز وفنان العرب محمد عبده والفنان التشكيلي العالمي نبيل نجدي وسعادة وكيل وزارة التربية والتعليم لشؤون المعلمات الأستاذ أحمد البلوشي وسعادة مدير تربية وتعليم ينبع الأستاذ محمد فراج بخيت والشاعر السعودي الكبير مصطفى زقزوق وسعادة عميدة كلية التربية بمحافظة ينبع الدكتورة مها باجنيد والكثير من الشهب المضيئة في سماء وطننا الكبير نسأل الله أن نكون عند حسن ظنهم وأن نقدم ما يرضيهم وما ينفع البلاد والعباد إنه ولي ذلك والقادر عليه
.