ضرب يضرب ضريبة!


الثلاثاء - 30 يونيو 2020


عبدالله المزهر ــ صحيفة مكة





ثم حلت ضريبة القيمة المضافة في حلتها «المؤلمة» الجديدة، و«الألم» هي الكلمة التي استخدمتها الحكومة للتعبير عن الوضع بعد زيادة الضريبة من 5% إلى 15% دفعة واحدة، وليس تعبيري الشخصي ولا من بنات أفكاري المغرضات الضالات المضلات.

والحكومة لا شك عندي أنها «أبخص» بما تفعله وما تقرره من أجل المصلحة العامة، وهي تعرف ما لا نعرفه بالتأكيد، وفعلت ذلك رغم ما فيه من الألم ربما لتفادي وضع أكثر ألما، والحقيقة أيها الناس، دافعي ودافعات الضرائب بحلتيها القديمة والجديدة، أني أخبرتكم غير مرة أني لا أفهم في الاقتصاد ولا في عالم المال والأعمال، ولكني قد أفهم قليلا في الإعلام، وهو فهم لا يعول عليه ولكنه موجود.

وقد لفت نظري أن بعضا من الكتاب وبعضا من وسائل الإعلام تحتفي بزيادة الضريبة وكأنها الخبر الذي طال انتظاره، وتروج بشكل يدعو للاستغراب إلى فوائد الضرائب الصحية والاجتماعية والاقتصادية، وهذا أمر لم يسبقهم إليه أحد من العالمين، فكل الكائنات البشرية منذ أن بدأ الإنسان يتعامل مع الإنسان في البيع والشراء يكره أن يرتفع سعر الأشياء التي يشتريها، ولو وجد إنسانا في أي عصر من العصور يبتهج ويفرح ويطرب لأنه أصبح يدفع أموالا أكثر مقابل الأشياء التي كان يشتريها بسعر أقل فمن المؤكد يقينا أنه يعاني من مشكلة عقلية، وإن بحثت عن أمثاله فربما لن تجدهم إلا في صفحات الكتب التي تتحدث عن الحمقى والمغفلين.

ثم إني وجدت من يكتب أنه قد حان الوقت للكف عن شراء الكماليات وكبح جماح النفس التواقة للمظاهر كما يقول أحدهم. وهذه الموعظة الحسنة التي تكاد تقطر إيمانا وتقوى قد تكون مؤثرة لو أن الضرائب فرضت على الكماليات والمظاهر، أما في حال كانت الضرائب مفروضة على كل شيء تقريبا وعلى فواتير الخدمات وكافة الرسوم ما ظهر منها وما بطن، فإن هذه الموعظة باعثة على الاستفزاز أكثر من كونها شيئا يدعو إلى سكون النفس ورضاها وتفهمها للواقع والأمل بمستقبل أفضل.

وهذا هو مربط الأشياء، المنتظر من الإعلام والفاهمين في الاقتصاد أن يبينوا للناس الأسباب التي دعت إلى فرض الضريبة، وإلى الأذى الذي تم تجنبه بإقرارها، ومقارنته بالأذى الذي تسبب به وجودها، وزرع الأمل في نفوس الناس بأن الغد أجمل، وأن هذه المرحلة هي مرحلة التشافي التي لا بد فيها من تقبل «مرارة الدواء». أما تزيين الواقع المر، وتصوير الضريبة على أنها نهر الكوثر، فهذا خداع للناس لا ينتظرونه، ونفاق للمسؤولين لا يحتاجونه.

ثم أما بعد..

لا شك أن حبي للمال هو ما دفعني للكتابة - فأنا جشع كما تعلمون، وإني والله مثلكم أكره أن ينتهي راتبي قبل أن أصل للثلث الأخير من الشهر، ويؤلمني كثيرا أن يهوي مؤشر أحلامي ويرتفع مؤشر السلع والخدمات، ولكني متفائل بأن الغد أفضل، وأن الدولة قبل غيرها تعلم أن سعادة الناس وراحتهم هما أقوى أسلحتها، وواثق أنها تسعى لذلك.. وستصل.