بين ينبع البحر والنخل "تسنيدة" و"حدْرة".. تعرف على تاريخهما

الصبحي لـ"سبق": إرث تاريخي يجب المحافظة عليه





ماجد الرفاعي - سبق ـ ينبع

كشف رئيس لجنة أصدقاء التراث بمحافظة ينبع عواد بن محمود الصبحي، عن تاريخ ما يعرف بـ"التسنيدة"، التي تشتهر بها ينبع دون غيرها، مشيرًا إلى أن الناس في القِدم كانوا يمارسونها بشكل يومي قاطعين مسافة 40 كلم بين المدينتين ينبع البحر وصولاً إلى ينبع النخل مشياً على الأقدام، وفي المقابل هناك "حدْرة" وهي العودة في نفس الاتجاه.وتفصيلاً: قال "الصبحي" لـ"سبق": التسنيدة هي موروث شعبي ينبعي يُعنى بالانتقال من ينبع البحر إلى ينبع النخل في الزمن الماضي مشياً على الأقدام، وذلك قبل أن توجد السيارات ووسائل المواصلات الحالية.وأضاف: قامت إدارة تعليم ينبع بإحياء هذا الموروث منذ التسنيدة الأولى عام 1428هـ فكرةً وتنفيذًا من مدير تعليمها الأسبق عبد الرحيم الزلباني، وتوالت التسنيدات بعد ذلك بعد أن سلّمها التعليم لمحافظة ينبع، ثم أصبحت في عهدة إدارة السياحة والتراث الوطني؛ حيث وصلنا هذا العام إلى التسنيدة السابعة.وتابع "الصبحي": التسنيدة في مفهومها البسيط هي عادة قديمة وأسلوب حياة كان الناس يمارسونها يوميًّا "يسنّدون" مشياً، من ينبع البحر إلى ينبع النخل، ويحدرون من ينبع النخل إلى ينبع البحر في طريق العودة؛ حيث المسافة بين المدينتين في حدود 40 كم؛ إذ كانت التسنيدة أمراً طبيعياً في ذلك الوقت في ظل عدم وجود وسائل المواصلات باستثناء الدواب.وأردف: كما هو معلوم؛ فالارتباط بين الأهالي في ينبع البحر والنخل له صفة الترابط الأسري والتكامل الاقتصادي؛ فينبع النخل تمتاز بمزارعها وبساتين النخيل ومياهها العذبة وجريان عيونها التي عايشناها بالعشرات كان لها وضع مهم في جذب تجار ينبع البحر وامتلاكهم للمزارع، واستثمارهم فيها استثماراً مربحاً ينتج عنه تصدير أجود أنواع التمور لأماكن أخرى من المملكة، ولغيرها من البلدان القريبة.وزاد: تمتاز ينبع البحر بمينائها وتحضُّرها وحركتها التجارية؛ فهي الرافد المكمل لشقيقتها ينبع النخل؛ مما جعل الحياة بين المدينتين ذات صبغة إنتاجية واقتصادية مهمة إضافة لأن معظم أهل ينبع البحر كانت ينبع النخل بالنسبة لهم هي مصيفهم المميز؛ يقضون فيها أشهر الصيف مستمتعين بأجوائها بعيداً عن رطوبة البحر وحرارة الصيف، ويعايشون ليالي السمر المبهجة ويحضرون أسواقها المشهورة في كلٍّ من قرى السويق والجابرية وسويقة التي يزيد انتعاشها ويكثر مرتادوها في تلك الفترة، ويكون التبادل التجاري للسلع بين أسواق المدينتين ذا مردود طيب وحركة نشطة في الجانبين.وقال "الصبحي": تلك هي الحياة التي كانت سائدة في المدينتين، ولكن بعد تبدل الزمن وتغير الأحوال وتوفر وسائل النقل الحديثة؛ تغير الوضع تماماً وأصبحت التسنيدة جزءًا من التاريخ وتراثاً ينبعياً من الماضي؛ إذ لا يَعرف جيل اليوم عن التسنيدة إلا اسمها فقط، بل إنهم يستغربون عندما يُقال لهم بأن الناس كانوا يسنّدون يومياً لينبع النخل أو يحدرون منها مشياً على الأقدام، ومن هنا نشأت فكرة التسنيدة إحياءً لهذا الإرث القديم من خلال ربط الحاضر بالماضي.وأكمل: مما شجع على هذه الفكرة أن التسنيدة هي خاصة بينبع وبالمجتمع الينبعي فقط، لا ينازعهم فيها أحد، وأول من تبنى هذه الفكرة وأحياها مدير تعليم ينبع الأسبق عبدالرحيم الزلباني، مهندس التسنيدة.


ولفت إلى أن أول تسنيدة أقيمت في عام 1428هـ؛ حيث حظيت بزخم اجتماعي وتفاعل غير مسبوق من الأهالي بشتى فئاتهم ومختلف أعمارهم، وكان الطريق الواصل بين المدينتين متصلاً بسيل من السيارات التي تحمل العوائل تسير محاذية لأفواج المسندين الذين زاد عددهم على ألفَيْ مشارك وبينهم كبار السن الذين عاصروا هذه التسنيدة واقعًا؛ فجاؤوا يسترجعون ذكرياتهم الجميلة ويعايشون صدى الأيام الخوالي التي ظلّت أحداثها راسخة في وجدانهم على مدى العمر.وأكد أنه مع هذه التظاهرة اضطر المنظمون لهذه الفعالية لدراسة الوضع وتغيير المسارات والاشتراطات التنظيمية والصحية في التسنيدة الثانية التي نُفذت عام 1429هـ، وتمت فيها استضافة شخصيات من خارج ينبع؛ منهم أعضاء بمجلس الشورى، ورئيس وأعضاء من الاتحاد السعودي للرياضة، وبعض الوزراء السابقين، وضيوف من رجالات ينبع المقيمين خارجها ووجهاء المجتمع، ورؤساء الدوائر الحكومية، وأساتذة الجامعات؛ ما عكس ذلك الاهتمام بالتراث والمحافظة عليه؛ لما يمثله من قيم متوارثة ولحمة اجتماعية.

واسترسل رئيس لجنة أصدقاء التراث في ينبع بقوله: بعد التسنيدة الثانية أصبح العبء ثقيلاً على التعليم والالتزامات مرهقة؛ فأسندت التسنيدة لمحافظة ينبع ولرئاسة لجنة التنمية السياحية فيها فبدأت اللجان تدرس تنظيم التسنيدة الثالثة بمنهج جديد وتمويل واضح من الداعمين والشركاء وتوزيع لأعمار المشاركين، فتمت التسنيدة الثالثة عام 1433هـ باحتفالية كبيرة وسوق شعبي احتضنه سوق الليل بالمنطقة التاريخية بينبع البحر، مع برنامج خطابي وبسطات للأكلات الشعبية والفلكلور الينبعاوي ومشاركات مختلفة من مدارس ينبع وعدد من الجهات ذات العلاقة.وأضاف: أما برنامج التسنيدة الفعلي فهو يبدأ بصلاة الفجر جماعة في مخيم البداية خارج مدينة ينبع في الطريق المؤدي لينبع النخل، ومن ثم تناول طعام الإفطار سوياً لجميع المشاركين، ثم الانطلاق بمشاركة فرقة الهجانة وأشخاص يرتدون الملابس التقليدية؛ محاكاة لما كان يرتديه الأجداد في تلك الحقبة الزمنية وبمشاركة محافظ ينبع ونخبة من الشخصيات يقفون على خط الانطلاق حاملين أعلام الدولة وصور القادة.

وأوضح: على الطريق توجد ثلاث أو أربع محطات استراحة على مسافة خمسة كيلومترات تشتمل كل محطة على تجهيز بعض الوجبات الخفيفة والمشروبات والعصائر والمباشرة بالقهوة العربية والتمر، إضافة لوجود طبيب من الوحدة الصحية، واستقبال المشاركين بالتشجيع والمباشرة بما يحتاجونه لمواصلة السير، مع محاولة أن تكون بعض المحطات على الطريق بالقرب من إحدى القرى التي كان يمر بها ركب المسندين في الماضي فيستقبلون المشاركين بالأهازيج الشعبية ولعبة الزير والرمي بالبارود، بينما على الطريق الموازي يسير عدد من الإسعافات والباصات التي تتابع المشاركين عن قرب، وما بين المحطات يتواجد عدد من المراقبين الثابتين والجوالين على الدراجات لمراقبة الوضع والالتزام بشروط المشي ومسار الطريق المحدد.

وتابع: أما ضيوف الشرف والشخصيات المشاركة فيكون وصولهم لأول محطة على بعد 5 كم من خط البداية، وهناك يرتاحون ويتناولون وجبة إفطار ويلتقون بوسائل الإعلام للتعبير عن مشاعرهم، ومن أراد منهم المتابعة فالرأي له ومن يكتفِ بهذه المسافة يُجهزْ لهم باص ينقلهم لمخيم النهاية، وهناك عند نقطة النهاية في قرية المبارك أولى القرى التي تصادف المسنّد بينبع النخل تم تجهيز جزء من مباني القرية الطينية لتقام فيها معارض تراثية وسوق شعبي وكل ما له علاقة بالتراث، ويتجمع في الموقع آلاف المواطنين على جانبي خط النهاية وعلى التلال المحيطة بالمكان، فيبدأ الحفل الخطابي بحضور المدعوين والضيوف في صيوان كبير وتجهيزات صوتية ولوحات ترحيبية، بينما فرقة الألعاب الشعبية تؤدي فقراتها بالفلكلور الخاص بينبع النخل كلعبة "الحرابي ولعبة زيد"، ويبدأ بعدها إعلان أسماء العشرة الفائزين بالمراكز الأولى وتسليمهم جوائزهم وشهاداتهم، ويتم تكريم الرعاة وبعض الشخصيات.

وأردف: "الصبحي": شاركت في التسنيدات الثلاث الأولى بدعوة من اللجنة المنظمة، وذلك بإلقاء قصائد من شعر الكسرة في الحفل الختامي، وهو من الشعر الموروث الذي تشتهر به ينبع، كما أتذكّر بعض الكسرات التي تواكب الإعلان عن الموعد تمشيًا مع روح التسنيدة وأهدافها والتصاقها بالمجتمع الينبعي الأصيل؛ منها هذه الكسرة:

اللي مع القافلة سنـّـد
واللي حــدر يتبع الجمـّال
واللي حضر سوقنا يشهد
سوْم البضاعة مع الدلال
أيام من ذكرها نسعد
أحلى الليالي وصفو البال
مهما طواها الزمن وابعد
تبقى وتذكارها ما زال

وقال "الصبحي": هذه مجريات التسنيدة كما كانت في مراحلها الثلاث الأولية، وبعد أن تسلمتها لجنة التنمية السياحية بمحافظة ينبع ما زالت التسنيدة تحظى باهتمام الجميع باعتبارها عرسًا تراثيًّا يجب المحافظة عليها وتطويرها كمهرجان سنوي، واقترحوا تقصير المسافة بحيث لا تزيد على عشرة كيلومترات للشباب فوق العشرين، وأن تكون المسافة خمسة كيلومترات للأعمار الأقل، وأن يكون لكبار السن تقدير خاص وزي موحد على اعتبار أن مشاركتهم وجدانية ومعنوية.وأردف: كما كان تفاعل أهالي ينبع النخل مع التسنيدة إيجابيًّا، وما زالوا يطالبون بتنفيذ ما يواكب التسنيدة؛ وهي "الحدْرة" من النخل إلى البحر على طريق الجمّال الذي كان يحمل الرطب والمنتجات الزراعية على الإبل ويصل بها فجرًا إلى ينبع البحر حيث المزاد في رقعة الرطب.

وأكد أن التسنيدة أصبحت في الوقت الحالي ممارسة رياضية وصحية بما يشبه "المارثون" في وقتنا الحالي، وتصاحبها فعاليات أخرى تقام في المنطقة التاريخية بإشراف مكتب السياحة بينبع البحر، على أن يواكب هذه التظاهرة الرياضية فعاليات أخرى ثقافية واجتماعية، وفي هذا العام بالذات 1440هـ أصبح للسيدات مشاركة فعالة في التسنيدة السابعة؛ حيث شارك أكثرُ من 1350 سيدة بزي خاص في مسيرة مشي بينبع لمسافة 3 كيلومترات،

وسبقتها تسنيدة مصغرة للأطفال.واختتم: كما تغيّر وقت التسنيدة من الفجر إلى العصر، وعندما لاحظ المنظمون مشاركة الرياضيين المحترفين من خارج ينبع من الأندية الرياضية وحيازتهم على المراكز الأولية أصدر محافظ ينبع باقتصار المشاركة على أبناء ينبع؛ حتى لا تخرج التسنيدة عن هدفها التراثي والاجتماعي ويصبح الهدف السباق على الجوائز مع عدم وجود التناسب بين فئات المشاركين واحترافيتهم.