ذاكـرة معـلم

بعـد التقاعـد

        رأيته واقفا بسيارته  خلف أسوار المدرسة على غير ما يقف الآباء ينتظرون أبناءهم عند الانصراف 00 قلت له مازحاً : هل هذا المكان مخصص للمتقاعدين !! ضحك  وقال إنني أتوارى عن الزملاء والطلاب  حتى لا أسمع من يقول : كلمة تجرحني أو تجرحهم  ومنعا للإحراج من تهمة الجفاء والنسيان 0 قلتُ معنى هذا أنك لم ترهم منذ فترة طويلة !! هز رأسه وفهمت الإجابة 00 ثم قلت : يبدو أنك لم تتخلص من عادة التفكير في الماضي ! قال التفكير في الماضي شرعة أزلية { فاقصص القصص لعلهم يتفكرون }   ودعني أبرّر ذلك بأنني كنتُ معلما في يوم من الأيام ملء السمع والبصر ومازلت أفخر بذلك ولكنني  كما تراني أعزف هذا اللحن مرددا قول المتنبي :

               ما مقامي بأرض نخلة إلاّ * كمقام المسيح بين اليهود

             أنــا في أمـــةٍ تــداركها الله  * غريب كصالح في ثـمـود

قلت : وهل هذا خاص بك أم بكل المعلمين المتقاعدين ؟

        قال :

 فلا نزلتْ عليّ ولا بأرضي *  سحائب ليس تنتظم البــلادَ

قلت هذا يعني أن المتقاعدين أصبحوا غربــاء عن مدارسهم وزملائهم  وطلابهم وكل ماله علاقة بالتعليم وشؤونه00

قال هذا هو الواقع بكــل أسف!!    قلت زدني مما في جعبتك 000

قال :   ذهبت مصطحبا ابني إلى الوحدة الصحية المدرسية لمراجعته طبيب الأسنان ودخل هو وبقيتُ أنتظره في السيارة حتى عاد ثم ذهبنا سوياً إلى مستوصف خاص وقلتُ له : انتظرني في السيارة كما انتظرتك لأذهب أنا لطبيب الأسنان أيضاً  وكانت العيادة مزدحمة مما جعل ابني يضيق من طول الانتظار ، وعندما عدت قال ابني بكل براءة : لو أنك ذهبت معي إلى طبيب الوحدة ( كما كنا سابقا ) لما جلسنا كل هذا الوقت !! قلت له يا بني أنت ذهبت للوحدة الصحية بخطاب تحويل من مدرستك ، وأنا ليس معي خطاب مثلك  هذه وحدة صحية مدرسية وليست جماعة أطباء بلا حدود00 لكن أدركت ساعتها من تعابير وجهه أنّ ابني قد استصغرمكانتي فتداركت الأمر مدعيا أنّ ملفي قد تم تحويله من الوحدة إلى المستوصف !!!!

قلت له : أنت حساس جدا   00 قال أبداً أنا أثبت لك أننا نعيش في زمن الكلام ، وما نسمعه ليل نهار من تكريم للمعلم سواء من هو على رأس العمل أو من تقاعد منهم مجرد لوائح وتعاميم رسمية ما زالت أكثر فقراتها غامضة وغير قابلة للتنفيذ ولا يخفف عبء مهانتها إلاّ نوايا المخلصين من الزملاء أو كلمات الثناء من الآباء والأبناء ؛ فالمعلم بمجرد انقطاعه عن التعليم متقاعدا سيكون آخر عهده بهذا المجال حفل تكريم يقيمه له زملاؤه بجهدهم وحرصهم و بحسب مكانته بينهم 0

قلت وهل اللوم على الوزارة أم على الإدارة التعليمية أم على المدرسة ؟ قال { إنّ السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا }

      فعاودت السؤال : ولكن أما سمعت ما صدر مؤخرا عن المعارف حول ما تعتزمه الوزارة من مشروع للاستفادة من المعلمين المتقاعدين وانضمامهم إلى الحظيرة مرة ثانية ؟  قال : الحظيرة

( ما صدقنا نخرج منها) 0 أما هذه الأفكار أو الطروحات فهي  كفقاعات الصابون التي يتلهى بها الصغار وهي مشاريع غير ناجحة كبطاقة المعلم ، والثانويات المطورة ، والسجل الشامل ، والتغذية المدرسية ، وتطوير المناهج 000 وغيرها من الفقاعات 0

 قلت إذن ماذا تريد باختصار ؟    قال : أريد أن أزيل ما يشعر به كل معلم متقاعد أنه ذهب غير مأسوف عليه مصطحباً ما يسمى إخلاء الطرف ؛ وهو ذهاب بلا عودة!!  وأضاف :

هل يصعب عليهم وضع إطار أو لائحة تؤكد على دعوة المعلم في المناسبات الهامة والحفلات المميزة والندوات الثقافية ، وهل يكلفهم شيئا مشاركته في البرامج والمجالس والمعسكرات ، وهل يضيرهم أن تُرسل له مجلة المعرفة ورسالة المعارف ومجلة التوثيق التربوي ؛ ليكون في الذاكرة دائما و ليطلع ويعلم بما يجري وتقديرا لمكانته ليبقى الود ولا تنقطع الصلة  000 بالأمس القريب افتتح سمو النائب الثاني معرض التعليم الذي أقامته وزارة المعارف ؛ وهو معرض بالتأكيد يتحدث عن تاريخ التعليم وماضيه وبداياته الصعبة التي أسهم فيها المعلمون بجهد وافر ، وشاركوا في بناء هذه النهضة التعليمية ؛؛ والسؤال العريض : كم من هؤلاء المعلمين دُعوا أو حضروا هذه المناسبة، والإجابة معروفة لأنّ الوثائق والأوراق القديمة في نظرهم أهم وأثمن من المعلم نفسه

 وهل للمرء خير في حياة * إذا ما عُـد أبخس من متاع

 مع الاعتذار لتحريف البيت

قلت عفو اً أخي هل تريد أن تقول :  إنه لابد من إنشاء قسم في الوزارة لشؤون المتقاعدين 00 قال البركة في البنك العربي !!!     أما الوزارة :

 فما أكثر ( الأقسام ) حين تعدّها *  لكنها في النائبات قليل

والأقسام المسؤولة عن المعلم لا حصر لها لكنها عاجزة عن رعاية من هم على رأس العمل فكيف بمن هم خارج التشكيلة 00وإن المعلم الذي عايش التعليم بوجدانه وحماسه يسعد بافتتاح مشروع أو بناء مدرسة ، أو إقامة مناسبة تعليمية هامة ولكنه للأسف محظور عليه المشاركة أو الحضور اللهم إلا بدعوة خاصة ممن أحبوه وعرفوا قدره ومكانته وهم قليل في هذا الزمان00

قلت له: أريد أن أختم أسئلتي : هل تشعر أنّ المعلمين المتقاعدين في عزلة ؟ سكت قليلا  ثم هزّ رأسه متسائلاً : ( جواب نهائي )  قلت نعم 000 فردد :

         نطلب العزلة فيها غير أنـّا * قد ملكنا أنفساً تأبى انعـزالا

  كلما زدتَ صدودا وابتـعاداً * زاد  قلبي لك شوقا وامتـثالا

* * * * *

  مع تحيات/ عواد محمود الصبحي ـ ينبع 18/ ربيع الأولى1422 هـ